محمد غازي عرابي
922
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
أنا ربكم الأعلى . . في حين أن موسى علم حقيقة فرعون وحقيقة تفكيره ، وأن المكر الإلهي هو الذي جعل فرعون يدعي الربوبية ، وما هو إلا دابة ضعيفة حقيرة منقادة لا حول لها بذاتها ولا قوة ، منفعلة ، وقبل هذا كله هي مطية القضاء والقدر الذي جعل الناس قبضتين ، قبضة في الجنة وقبضة في النار ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وعقل فرعون جزئي ، والعقل الجزئي شعاع من العقل الكلي ، ماله عنه غنى ، وما له بذاته قيام ، كما سبق القول عن علاقة العرض بالجوهر . وهذه المسألة هي التي حيرت كانط حين نظر في الحرية الإنسانية فوجدها شيئا مخالفا لما قاله هو عن الأحكام القبلية والمعقولات السابقة على المحسوسات ، والتي تصب في قوالبها المحسوسات ، وخاصة ما يتعلق منها بالإنسان والفكر الإنساني ، يقول جلال الدين الرومي : لقد اخترت لعبة الأنا والنحن لتلعب مع نفسك لعبة العبادة ، وقال أيضا : الخالق يخلي قلوبهم كل مساء من مئات الآلاف من خواطر الخير والشر ، بينما هو في النهار يملؤها من تلك الخواطر ، ويجعل الأصداف حافلة بالدرر فهذا الحوار الإنساني باطني وظاهري هو في الوقت نفسه حوار إلهي باطني وظاهري ، والحرية التي تبدو حرية هي اللعبة الإلهية الخفية لإظهار الصفات كما قال هيغل في الموضوع ونقيضه ثم ظهور الصفة ، فالإنسان في تذبذبه بين الموضوع ونقيضه يصل إلى لحظة الاختيار فيختار فتبرز الصفة ، وقد سبق أن أوردنا قول الغزالي إن انجزام الإرادة ، أي الاختيار ذاته ، هو بأمر من اللّه ، فتكون العملية كلها إلهية مسرحها الإنسان ، وتظهر الصفات بعد المحاورات الدائرة كما قال الإمام أبو الحسن البصري : العدل مأخوذ من الاعتدال ، وقالت الحكماء ، الفضل هيئات متوسطة بين حالتين ناقصتين ، وأفعال الخير تتوسط بين رذيلتين ، فالحكمة واسطة بين الشر والجهالة ، والشجاعة واسطة بين التهور والجبن ، والعفة واسطة بين الشر وضعف الشهوة ، والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب ، والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة ، والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس ، والسخاء واسطة بين التبذير والتقتير ، والحلم واسطة بين إفراط الغضب وعدمه ، والحياء واسطة بين القحة والحصر ، والوقار واسطة بين الهزء والسخافة . من هنا جاء معنى العبودية الإنسانية ، ولهذا سمي الإنسان عبدا ، ولهذا كان من معاني كلمة عبد في اللغة الإنسان ، فالإنسان عبد اللّه سواء أكان موسى أو كان فرعون ، وكيف يخرج فرعون على اللّه وهو مدرج في الوجود الإلهي ، وهو في حكم اسم من أسمائه هو المضل ؟ فالإنسان عبد جاهل معنى عبوديته وفلك العبودية الذي يدور فيه جرمه ، وهذا حال الكثرة الكاثرة من الناس ، أما من شملته الرحمة ، وخصته العناية بسابقة حسنى فذلك الذي نجح في كسر قضبان قفص الأسماء وخرج إلى رحاب الألوهية الشاملة ، فكان الإنسان الكامل صاحب